سيد محمد طنطاوي

426

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الصور ، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة ، انتفى من باب الأولى الإتيان بمثله مع عدمهما . وقوله : * ( لِبَعْضٍ ) * متعلق بقوله * ( ظَهِيراً ) * . ولقد بين - سبحانه - في آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإتيان بعشر سور من مثله ، بل بسورة واحدة من مثله . قال - تعالى - : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراه قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه مُفْتَرَياتٍ ، وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 1 » . وقال - سبحانه - : وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه ، وادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » . ومع عجز المشركين عن الإتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم استمروا في طغيانهم يعمهون ، وأبوا التذكر والتدبر ، ولقد صور - سبحانه - أحوالهم أكمل تصوير فقال : * ( ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ، فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) * . أي : ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ، أي : من كل معنى بديع ، هو كالمثل في بلاغته ، وإقناعه للنفوس ، وشرحه للصدور ، واشتماله على الفوائد الجملة . . . ومفعول : * ( صَرَّفْنا ) * محذوف ، والتقدير : ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة . . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) * بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته ، وأوامره ونواهيه . أي : فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه ، وامتنعوا عن الإيمان بأنه من عند اللَّه - تعالى - وجحدوا آياته وإرشاداته ، وعموا وصموا عن الحق الذي جاءهم به من نزّل عليه القرآن ، وهو رسول للَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وقال - سبحانه - : * ( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ ) * بالإظهار في مقام الإضمار ، للتأكيد والتوضيح . والمراد بأكثر الناس : أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم ، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه ، ولكنهم استحبوا الكفر على الإيمان ، وآثروا الضلالة على الهداية .

--> ( 1 ) سورة هود الآية 13 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 23 .